asawtlmaghribi
جريدة إلكترونية مغربية مستقلة

- الإعلانات -

“ريان” يفضح أزمتنا الإعلامية و انهيار أخلاقيات المهنة!

عمر إسرى

فاجعة ريان، وإن أيقظت “الإنسان” فينا، فإنها في نفس الآن فضحت لنا واقعا مأساويا آخر يتعلق بانهيار منظومة الأخلاقيات في مهنة الصحافة، ميكروفونات بعدد الحاضرين بعين المكان، الكل يصور، الكل يعلق، الكل صار صحافيا، بدون بوصلة، يدوس على جميع تفاصيل الضوابط المهنية والأخلاقية، أعماه الطمع في عائدات مالية نتنة، يدوس على الإنسان في طريقه العشوائي ليصير صحافيا لا يشق غبار، يمرغ كرامة الناس في الوحل، يطعن بخناجر جهله وانتهيازيته كل من وجده في طريقه، يبكي، ينوح، يتهم، يهدد، يصفق، يتكهن، يفترض، يلفق المعلومات، يتصيد ضعف الإنسان، وحزن الإنسان، يخلط المفاهيم والمعطيات، يحرض، يسب، يحتقر، يبتز…

يفعل كل ما يحلو له، مادامت الغاية عنده تبرر الوسيلة (حسب فهمه)، لا يهاب أحدا، سيطلق كلابه الضالة على من سولت له نفسه الوقوف في طريقه، يقتات على زبناء من ضحايا أزمة بنيوية عنوانها انهيار القيم، وتلاشي دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية في بناء مواطن متعلم منضبط يعرف ما له وما عليه.

لقد صار “مصوروا الرصيف” و “المؤثرين والمؤثرات” و “اليوتوبرز”، وكل من استيقظ ذات يوم فقرر صناعة ميكروفون وشراء هاتف ذكي ليصنع مهنة له في خمسة أيام، ومجدا خلال شهر، وثروة خلال سنة… صاروا جميعا صحافيين، يشتغلون دون حسيب أو رقيب! إنها الفوضى العارمة، نهاية التاريخ!

مواقع محلية ووطنية تنمو كالفطر، مثل الطوفان تأتي على الأخضر واليابس، تنشر التفاهة وصولا للسب والقذف و التحريض وتهديد الاستقرار والأمن القومي في بعض الحالات، مع أننا نؤاخذ جميعا على الإعلام العمومي نفسه تراجعه المهول في تقديم خدمة عمومية في مستوى التطلعات، نعم حتى المنابر الإعلامية المعروفة تعاني من أزمة عميقة، أزمة أخلاقيات وأزمة جودة و كفاءة و استقلالية.

أظن أن الوقت قد حان لمباشرة إصلاح عميق لمنظومة الإعلام والنشر، قانونيا ومؤسساتيا و قيميا و مهنيا، لإعادة الاعتبار لهذه المهنة حتى تتمكن من أداء رسالتها على أفضل وجه، وهذه بعض الاقتراحات:

* وضع شروط أكثر صرامة من طرف المجلس الوطني للصحافة ، فيما يخص الحصول على البطاقة المهنية، تهم التكوين المهني، والتجربة في المجال وخلو الملفات من خروقات سافر لأخلاقيات المهنة، لقطع الطريق على الدخلاء على الميدان، وتشكيل لجنة خاصة للتحقيق في مسطرة منح البطاقة المهنية ومدى استكمال شروط الحصول عليها، ومحاسبة المتورطين في التدليس والزبونية والمحسوبية.

* اعتماد بطاقة الصحافة المهنية حصريا لدى السلطات للسماح بالتغطيات وخلق المنابر الإعلامية، واعتبار غير ذلك انتحالا لصفة يعاقب عليه القانون بلا هوادة، وإغلاق كل المنابر التي لا تتوفر على شروط ممارسة المهنة.

* لا مفر من اعتبار مجال الصحافة تخصصا منفردا مثله مثل باقي التخصصات القائمة بذاتها، لا يمكن ولوجه سوى عبر تلقي تكوين ذا جودة عالية في المجال وبمعايير مهنية وتربوية محددة، لأن عدم التمكن من ميكانيزماته وضوابطه يؤدي حتما إلى الإساءة لصاحبة الجلالة ورسالتها النبيلة.

* لا بد من عقلنة عدد الخريجين كل سنة، حتى يتوافق مع متطلبات السوق، فلا يعقل أن يتخرج كل سنة ثلاثمائة صحافي من المعهد العمومي والمعاهد الخاصة والكليات، بينما العرض لا يتجاوز سبعين أو مائة منصب كل سنة، صحافيون تلقوا تكوينا في مختلف التخصصات. فأي زيادة عن العدد المطلوب، تؤدي حتما إلى ظهور منابر إعلامية تجارية تفتقر إلى المعايير المهنية وأخلاقيات المهنة.

* لا يعقل أبدا فتح الباب أمام الجميع لتأسيس معاهد خاصة بالتكوين في المجال، هذه المؤسسات باتت تتناسل يوما بعد يوم، حتى صار عددها يتجاوز عدد مؤسسات التكوين في مجالات كالتمريض و مضيفي ومضيفات الطيران (أو أي تخصص يحظى بعرض أكبر في سوق الشغل)، دون الحديث عن استغلال بعض الشخصيات لنفوذها للحصول على تراخيص لمعاهد أقرب من التجارة منها إلى الإعلام.

* لا بد من تدخل وزارة التعليم العالي وقطاع الاتصال بوزارة الثقافة وربما المجلس الوطني للصحافة، لوضع شروط صارمة ومعايير دقيقة تتعلق بالطلبة بمعدلاتهم ومعارفهم و الأساتذة بتكوينهم وتجاربهم، و العرض البيداغوجي والتربوي، دون نسيان المستوى اللوجيستيكي، مع إشراف لجان خاصة على تتبع التقييم العام لأداء كل مؤسسة للتكوين في المجال، حتى لا نصير أمام معاهد لبيع الدبلومات عوض تكوين وتقييم أداء الطلبة بشفافية ونزاهة خدمة للمهنة ومستقبلها.

* حذف هذه التخصصات من بعض الكليات وإغلاق بعض المعاهد التي لا تتوفر على بنية لوجستية و فريق من الأساتذة المتخصصين، أو عموما، لا تحترم شروط التكوين الجيد والتقييم الشفاف، وبالمقابل توسيع المقر و الطاقة الاستيعابية للمعهد العالي للإعلام والاتصال، و الرفع من ميزانيته حتى يتوفر على استوديوهات مجهزة، ووسائل لوجستيكية للتدريب الفعلي بمعايير توافق التطور الذي عرفه المجال عالميا، وتنظيم دورات تكوينية مكثفة، وإتاحة الفرصة للطلبة لقضاء تداريبهم السنوية بمؤسسات إعلامية رائدة وطنيا ودوليا.

* اشتراط المؤسسات والمنابر الإعلامية لعدد من المعايير التي يجب أن تتوفر في كل مترشح لمنصب إعلامي، مع إشراف لجان مختلطة (مستقلة وتابعة للمؤسسة)، على التقييم واختيار من يستحق، حتى نتمكن من إغلاق باب الزبونية والرشوة والمحسوبية.

* مع بداية اضمحلال فكرة “الصحافي الموسوعي”، يمكن خلق تخصصات جديدة داخل التخصصات الموجودة، فبالإضافة إلى الصحافة الإلكترونية والمكتوبة، و السمعي البصري، وصحافة الوكالة، والاتصال المؤسساتي… فلتكن هناك شعب للصحافة العلمية والاقتصادية والرياضية و غيرها، وفي انتظار ذلك يمكن تغيير بعض الماسترات بالتكوين في الصحافة المتخصصة (مثلا ماستر الصحافة العلمية يشترط الحصول على إجازة في الشعب العلمية والتوفر على المؤهلات العلمية والمعرفية و ثقافة عامة واسعة لولوج الماستر).

* الاهتمام بصحافة الديجيتال في مجال التكوين، لمواكبة التغيرات العميقة التي شهدها العالم في المجال، حيث عايشنا تحول صحف عالمية كبرى من صيغتها المطبوعة إلى قوالب رقمية، حيث بات السرد الرقمي من ضرورات البقاء والحفاظ على الجمهور والوصول إليه بسرعة وسهولة تامة.

* الاستفادة من تجارب الطاقات الإعلامية التي تشتغل داخل وخارج الوطن، من خلال حضور نصفهم كمدرسين وملقنين ومدربين بالمؤسسات الإعلامية، إلى جانب النصف الآخر للخبراء والأساتذة الجامعيين غير الممارسين الذين يركزون أكثر على الشق النظري.

* عدم الاقتصار على النقطة التي حصل عليها التلميذ في البكالوريا لولوج المعهد، والاعتماد على تقييم بمعايير جديدة تراعي إلى جانب المستوى التعليمي والمعرفي، الموهبة و المؤهلات الإبداعية والفنية وإتقان اللغتين الرسميتين ولغتين عالميتين على الأقل.

* إلحاق المعهد العالي للإعلام والاتصال وبعض المعاهد الأخرى بالتعليم العالي مع خلق مديرية بالوزارة خاصة بتخصصات الإعلام والاتصال، مع العودة إلى نظام أربع سنوات من التكوين الذي يظهر أنه أكثر نجاعة من النظام الجديد.

* الفصل بين ما هو نقابي وما هو مهني ومؤسساتي في حالة المجلس الوطني للصحافة، لأن الحسابات النقابية تفسد روح العمل المؤسساتي، وتهدد بإغراق المهنة لصالح الاصطفافات بكل من هب ودب، و التمييز بين المنابر الإعلامية بمنطق نقابي، وربما المساهمة في الحشد، مع ضرورة لعب هذه المؤسسة لأدوار التحكيم إسوة ب”الهاكا” في المجال السمعي البصري.

* التفكير في دمج الهاكا والمجلس والوطني للصحافة في مؤسسة واحدة قوية، تضطلع بالسهر على الاحترام التام لمبادئ التعددية، وحرية التعبير، في احترام تام للقيم الحضارية الأساسية والقوانين الجاري بها العمل في المملكة، والسهر على مراقبة التزام وسائل الإعلام بأخلاقيات المهنة، والتدخل كلما كان هناك تقصير.

والتكوين وتنظيم المهنة طبعا ليس كافيا لإصلاح المجال، بل هناك شروط أخرى تتعلق بالجانب التشريعي والقانوني المؤطر لحرية التعبير وبهامش الحرية الفعلي المرتبط بالممارسة، بل بمستوى الديموقراطية في البلد بشكل عام، وكذا ما يرتبط بالمؤسسات الإعلامية ومؤهلاتها وبنياتها التكنولوجية واللوجيستية، والعقليات المتحكمة فيها، والتي صارت في حد ذاتها منهجا، دون الحديث عن مجال الإشهار و ضوابطه، و عن الرشوة والزبونية والمحسوبية بل ربما الجنس مقابل العمل أو الترقي أحيانا.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك في نشرتنا الإخبارية
من خلال النقر على زر الاشتراك ، لن تفوتك الأخبار الجديدة!
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد